يتناول المقال واقع الحياة اليومية في بيوغرا بمنطقة سوس ماسة، مركزاً على التوتر بين التقاليد الأمازيغية الراسخة وأنماط العيش الحديثة، وما يرافق ذلك من تحديات اجتماعية مثل الاكتظاظ في الفضاءات العامة، وتباين الرؤى بين الأجيال، وظاهرة الهجرة السرية، وتراجع بعض مظاهر التضامن الاجتماعي و«لمعروف». كما يبرز المقال الإشكال المحوري المتعلق بكيفية التوفيق بين الحفاظ على الهوية الثقافية والانفتاح على العالم المعاصر.
تشهد منطقة بيوغرا في سوس ماسة تحولات عميقة تمس الحياة اليومية للسكان، حيث تتقاطع فيها ملامح الهوية الأمازيغية الراسخة مع ضغوط التغيرات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة. ويثير هذا الواقع أسئلة حادة حول حدود الصمت المجتمعي إزاء تفاقم بعض الأوضاع، وحول الكيفية المثلى للتعامل مع هذه التحولات دون التفريط في الأسس الثقافية والرمزية المحلية.
تنعكس هذه التحولات بوضوح في الفضاءات العامة مثل الأسواق، حيث يلاحظ تزايد حدة الازدحام وما يرتبط به من توتر في استعمال المجال العام وتنظيم الأنشطة الاقتصادية اليومية. ويعكس هذا الازدحام تضارباً بين إيقاع الحياة التقليدية وبنيات التجارة المحلية من جهة، ومتطلبات الحياة العصرية وأنماط الاستهلاك الجديدة من جهة أخرى، في ظل محدودية الأطر التنظيمية القادرة على استيعاب هذا التغير.
كما يبرز صراع قيمي ورمزي بين الأجيال؛ إذ يتمسك جزء من الساكنة بالتقاليد الأمازيغية وأنماط العيش المحافظة، في حين يتجه جزء آخر، خاصة من الشباب المغربي، نحو تبني أنماط أكثر انفتاحاً على العالم المعاصر، سواء على مستوى المظهر أو أساليب التفكير أو نمط الحياة. ويطرح هذا التباين سؤالاً حول إمكان تحقيق توازن بين الحفاظ على الهوية الثقافية المحلية وبين الاستجابة لمتطلبات العصرنة والانفتاح.
وتزداد الصورة تعقيداً بفعل ظاهرة الهجرة السرية، التي تؤثر مباشرة في البنية الأسرية والاجتماعية. فهجرة عدد من أبناء المنطقة في ظروف غير نظامية ينتج عنها في كثير من الحالات تفكك الروابط الأسرية، وترك كبار السن في وضعية عزلة نسبية، مع تقلص شبكات الدعم العائلي التي كانت تشكل إحدى ركائز الاستقرار الاجتماعي في المنطقة.
ضمن هذا السياق، يعرف مفهوم "لمعروف"، بما يمثله من تقاليد للتكافل والتضامن العائلي والجماعي، تراجعاً ملحوظاً وفق ما يلاحظه عدد من الفاعلين المحليين. فقد كانت هذه الممارسة تشكل أساساً للتضامن في المناسبات والأزمات، غير أن التحولات الاقتصادية وتغير سلم القيم الاجتماعية أديا إلى إضعاف حضورها في الحياة اليومية، ما يعمق الإحساس بغياب الدعم المشترك لدى فئات متعددة.
يطرح هذا الواقع إشكالية مركزية تتعلق بكيفية التعامل مع هذه التحولات: هل ينبغي التركيز على حماية التقاليد والعادات بوصفها صمام أمان للهوية والاستقرار الاجتماعي، أم ينبغي منح الأولوية للتغيير والانفتاح على مظاهر الحداثة وأنماط العيش الجديدة، ولو ترتب عن ذلك تراجع لبعض الممارسات التقليدية؟
يستدعي هذا السؤال نقاشاً عمومياً هادئاً ومسؤولاً حول سبل التوفيق بين الأصالة والمعاصرة في بيوغرا، بما يضمن صون الهوية الأمازيغية ومبادئ التضامن المجتمعي من جهة، والانخراط الإيجابي في مسار التحديث والانفتاح من جهة ثانية، عبر مقاربات متوازنة تراعي الخصوصيات المحلية وتستجيب لتطلعات الأجيال الصاعدة.