يتناول المقال الجدل الدائر في بريدة، خصوصاً في حي النفل، بين مؤيدي المراكز التجارية الحديثة مثل النخيل مول ومؤيدي الأسواق الشعبية التقليدية كسوق بريدة. ويستعرض أبعاد هذا التحول من حيث الهوية والتراث الاجتماعي، وتجربة التسوق من حيث العلامات التجارية والمطاعم والمقاهي، إلى جانب الإشكالات المرتبطة بالازدحام وتنوع الخدمات. كما يناقش المقال جانب الأمان الرقابي في قطاع التجارة، في ضوء حملات وزارة التجارة ومصادرة المنتجات الفاسدة، ويتساءل عن مدى واقعية الشعور بالأمان في بيئة التسوق الحديثة مقارنة بالأسواق التقليدية، في سياق نقاش مجتمعي واسع حول الاستمرار في تبني أنماط الاستهلاك الحديثة أو استعادة روح السوق الشعبي وماضيه.
يشهد المشهد التجاري في مدينة بريدة، ولا سيما في حي النفل، حالة نقاش مجتمعي حاد حول التحول من الأسواق الشعبية التقليدية إلى المراكز التجارية الحديثة (المولات). ويتركز الجدل على مدى تعبير كل من النمطين عن هوية المجتمع المحلي وذاكرته الاجتماعية، وأيّهما يمثل الامتداد الأصدق لتراث المنطقة وطبيعة الحياة اليومية فيها.
من جهة، تحظى المراكز التجارية الحديثة مثل “النخيل مول” بجاذبية واضحة لدى شريحة واسعة من العائلات في القصيم، حيث تُنظر إليها بوصفها فضاءات متكاملة للتسوق والترفيه. وتستقطب هذه المراكز الباحثين عن العلامات التجارية العالمية والمحلية، وأصناف الأطعمة المتنوعة، والمقاهي ذات الطابع العصري. كما تُقدَّم في الخطاب الاجتماعي بوصفها “قصوراً للبراندات” ومراكز لنمط استهلاك حديث يتماشى مع التحولات العمرانية والاقتصادية في المنطقة.
في المقابل، يعبّر عدد من سكان الأحياء التقليدية عن قلق متزايد من تراجع حضور الأسواق الشعبية مثل سوق بريدة التقليدي، ويرون في هذا التراجع تهديداً لذاكرة المكان ورائحته الاجتماعية الخاصة، بما في ذلك القيم المرتبطة بالعلاقات المباشرة بين البائع والمستهلك، وطبيعة البضائع التقليدية، والأجواء الشعبية التي شكّلت جزءاً من الهوية الجمعية لأهالي المنطقة. ويعتبر بعض كبار السن وذوي الارتباط الوثيق بالحي القديم أنّ الانصراف شبه الكلي نحو المولات الحديثة يمثّل شكلاً من “دفن التراث” لصالح موجة استهلاكية جديدة لا تعكس بالضرورة تاريخ المنطقة.
على مستوى تجربة التسوق ذاتها، يكشف النقاش الدائر عن مفارقات واضحة. فبالرغم من الجاذبية الكبيرة للمراكز التجارية الحديثة، تُسجَّل ملاحظات متكررة حول الازدحام الشديد في المقاهي، ومحدودية تنوع بعض خيارات الطعام قياساً بحجم الإقبال، وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرة هذه المراكز على تلبية الاحتياجات الفعلية لروّادها. في المقابل، تتميز الأسواق التقليدية باتساع خيارات المنتجات الشعبية، إلا أنّها تعاني في أحيان كثيرة من ضعف البنية التحتية والخدمات المساندة مقارنة بالمولات.
ويمتد الجدل إلى بُعد أكثر حساسية يتعلق بأمان التسوق وسلامة المنتجات. فقد كثّفت وزارة التجارة في المملكة حملاتها الرقابية على المحال والمتاجر، وأسفرت تلك الجولات في بعض الحالات عن ضبط ومصادرة آلاف المنتجات الفاسدة أو المخالفة للاشتراطات النظامية. وأثار ذلك تساؤلات مجتمعية حول واقعية الشعور بالأمان في بيئات التسوق المختلفة، سواء في المولات الحديثة أو في الأسواق الشعبية، وعن مدى كفاية الإجراءات الرقابية في حماية المستهلك وضمان جودة السلع والخدمات.
تُطرح في هذا السياق إشكالية أساسية حول ما إذا كان حي النفل وغيره من أحياء بريدة يعيش حالة أمان تجاري حقيقية، أم أنّ الشعور السائد بالأمان لا يزال بحاجة إلى تدعيم مستمر من خلال الرقابة الصارمة ورفع الوعي الاستهلاكي. كما تتقاطع هذه التساؤلات مع النقاش الأوسع حول مسؤولية الجهات التنظيمية والبلدية في ضبط معايير السلامة، وتطوير البنية التحتية للأسواق، والحفاظ في الوقت ذاته على الطابع العمراني والاجتماعي المحلي.
في خلفية هذا الجدل، يبرز بوضوح سؤال الهوية: هل يمثّل الاستمرار في التوسع بالمراكز التجارية الحديثة الخيار الأكثر تعبيراً عن طموحات المجتمع في بريدة، أم أنّ إعادة الاعتبار للسوق التقليدي ومفردات الماضي تمثّل حاجة ثقافية واجتماعية لا تقل أهمية عن التحديث العمراني والاقتصادي؟ وتدور حول هذا السؤال نقاشات واسعة في منصات التواصل الاجتماعي تحت وسوم مثل #بريدة_تتحدث و#فضفض_ياقصيمي، حيث تتحول قضية التسوق في حي النفل إلى رمز لصراع أوسع بين أنماط استهلاك جديدة ورغبة في صون ذاكرة المكان.
يعكس هذا الجدل في مجمله حالة تحول اجتماعي واقتصادي تعيشها المدينة، تجمع بين ضغوط الحداثة ورغبة فئات واسعة في الحفاظ على الخصوصية المحلية والتراث العمراني والتجاري. كما يسلّط الضوء على أهمية الموازنة بين تطوير المولات العصرية ودعم الأسواق الشعبية، بما يضمن تنوع الخيارات أمام المستهلك، ويحفظ في الوقت ذاته النسيج الثقافي والاجتماعي الذي تشكّل على مدى عقود في أحياء بريدة القديمة وحديثها على حد سواء.