يتناول المقال التحولات الاجتماعية والثقافية في حي "المدينة العليا" بشارع هارون الرشيد في القنيطرة، حيث تتباين النظرة إليه بين من يعتبره حيّاً متدهوراً بفعل الجيل الجديد، ومن يراه تعبيراً عن روح جديدة للمدينة. يعرض النص مظاهر التغير في أنماط العيش، واستهلاك التكنولوجيا، وصعود مظاهر المظاهر الاجتماعية، مقابل حنين واضح لدى الجيل الأكبر إلى زمن الجيرة والتضامن الشعبي، مع طرح سؤال جوهري حول فقدان هوية القنيطرة أو مسؤولية المجتمع عن هذا التحول.
يشهد حي "المدينة العليا" في شارع هارون الرشيد بمدينة القنيطرة المغربية تحولات اجتماعية وثقافية عميقة، أثارت في السنوات الأخيرة نقاشاً واسعاً حول صورته ومكانته داخل المدينة. فقد أصبح الحي نموذجاً مكثفاً للتغير السريع في أنماط العيش، والعلاقات الاجتماعية، وتمثلات الهوية الحضرية، بين جيل قديم يحن إلى ماضي الحومة، وجيل جديد يفرض إيقاعاً مختلفاً للحياة اليومية.
يرى جزء من ساكنة القنيطرة أن الحي لم يعد يشبه ما كان عليه في السابق، حيث تُستدعى باستمرار صورة "القنيطرة القديمة" بما تحمله من قيم التضامن، وبساطة الحياة، ودفء العلاقات بين الجيران. ويجري التعبير عن هذا الحنين من خلال استحضار زمن الضحك في الأزقة، والعلاقات الإنسانية المباشرة، والجو المجتمعي الذي كان يمنح الحي طابعه الخاص، قبل أن تطاله أنماط جديدة من العيش والاستهلاك.
في المقابل، تتنامى رؤية أخرى تعتبر أن المشكل لا يكمن فقط في التحولات نفسها، بل في عجز جزء من المجتمع عن فهم "روح" المرحلة الجديدة. وفق هذا التصور، لا يُنظر إلى التغير بوصفه انحطاطاً خالصاً، بل بوصفه تعبيراً عن انتقال اجتماعي وثقافي، تُعاد فيه صياغة القيم والعلاقات، وتتداخل فيه الطموحات الفردية مع ضغوط الواقع الاقتصادي والاجتماعي.
تعرف الفضاءات الحضرية في "المدينة العليا" تغيراً واضحاً في وظائفها ورموزها. فالمقاهي، التي كانت تمثل في فترات سابقة فضاءات للقاء والتواصل الشعبي البسيط، باتت تعكس اليوم أنماطاً جديدة من الاستهلاك والتمثل الطبقي، سواء على مستوى الديكور أو نوعية الزبائن أو أنماط السلوك داخلها. وترافق ذلك مع تحولات في الفضاء التجاري غير المهيكل، حيث لم تعد البسطات ومهن الشارع مرتبطة حصراً بصورة الفقر والهامش، بل أضحت أحياناً واجهة لطموحات إلى الارتقاء الاجتماعي السريع.
تبرز في هذا السياق مفارقات حادة؛ إذ يظهر بعض الباعة المتجولين وأصحاب البسطات في صورة تجمع بين الانتماء إلى الاقتصاد غير المهيكل وبين التطلع إلى مظاهر الوجاهة الاجتماعية، من خلال امتلاك سيارات حديثة أو تبني أسلوب عيش يروم محاكاة الطبقات الميسورة. ينتج عن هذه المفارقة إحساس عام بوجود هوة بين الواقع الاقتصادي الفعلي وبين الصورة التي يسعى عدد من الفاعلين الاجتماعيين إلى تقديمها عن أنفسهم.
من جهة أخرى، تشكل التكنولوجيا الحديثة، وخاصة الهواتف الذكية، أحد أبرز رموز التحول في "المدينة العليا". فقد بات انتشار الهواتف الجديدة بين الشابات والشبان علامة ظاهرة على تحول أنماط الاستهلاك والتواصل، وعلى سعي الجيل الجديد إلى الانخراط في عالم رقمي عابر للمجال المحلي. في المقابل، يحتفظ الجيل الأكبر بذاكرة قوية عن زمن سابق، يُنظر إليه بوصفه زمناً أكثر بساطة وأقل خضوعاً لضغوط المظاهر والمقارنات الاجتماعية.
يتجسد التوتر بين الأجيال في النقاش الدائر حول مسؤولية التغير: فهناك من يحمل الجيل الجديد مسؤولية "تدمير" الحي وقيمه التقليدية، مقابل رأي آخر يعتبر أن الإشكال أعمق من مجرد سلوكيات شبابية، ويرتبط بتحولات بنيوية في المدينة وفي المجتمع، وبغياب سياسات حضرية واجتماعية قادرة على مواكبة الانتقال دون خسائر قيمية كبيرة.
ينعكس هذا الجدل في سؤال محوري يتردد في الخطاب اليومي حول القنيطرة: هل فقدت المدينة هويتها، أم أن المجتمع ذاته ساهم في إعادة تشكيل هذه الهوية وفق رؤى جديدة؟ يتجاوز هذا السؤال الحنين البسيط إلى الماضي، ليمس عمق الإحساس بالانتماء إلى المكان، وكيفية التوفيق بين ذاكرة الحي القديمة واستحقاقات الحاضر ومتطلباته.
أمام هذه التحولات، يصبح حي "المدينة العليا" فضاءً مركباً تتعايش فيه صور متعارضة: فبالنسبة للبعض، يمثل الحي فضاءً ضاغطاً يتجسد فيه ارتفاع منسوب الضجيج، واكتظاظ الشوارع، واتساع الفوارق الاجتماعية؛ بينما يراه آخرون فضاءً نابضاً بالحياة، يعكس دينامية جيل جديد يسعى إلى كسر قيود الفقر وإعادة تعريف النجاح الاجتماعي.
تدل هذه المتغيرات على أن "المدينة العليا" لم تعد مجرد حي في شارع من شوارع القنيطرة، بل تحولت إلى مرآة لأسئلة أوسع تتعلق بالعدالة الاجتماعية، والاندماج الحضري، والتمثلات المتناقضة للحداثة والتقليد. وبهذا المعنى، يمثل الحي نموذجاً دالاً على الصراع الرمزي والعملي حول شكل المدينة المغربية المعاصرة، وحدود التوازن الممكن بين استمرارية الذاكرة الجماعية واندفاع تحولات الراهن.