يتناول المقال حالة التهميش التاريخي والثقافي التي تعاني منها مدن خريبكة وبني ملال وخنيفرة، رغم ما تزخر به من ثروات طبيعية كالفوسفاط والذهب، ورغم إسهامها في المقاومة وحركة الاستقلال. كما يسلط الضوء على مفارقة الثراء الطبيعي مقابل الهشاشة الاجتماعية وضعف البنية التحتية، ويعرض انتقادات موجهة للمؤسسات الثقافية والإعلامية الرسمية بسبب إغفال هذا التراث، مع الدعوة إلى إنشاء متحف تاريخي ذي صبغة عالمية يعرّف بتاريخ الجهة ومقاوميها، ويعيد الاعتبار للذاكرة المحلية والكرامة الجهوية.
تشهد جهة خريبكة وبني ملال وخنيفرة نقاشاً متصاعداً حول وضعها التاريخي والثقافي، في سياق شعور متزايد بما يوصف بالتهميش والنسيان على المستوى الوطني. ورغم الأهمية الاقتصادية لهذه الجهة، وما تحتويه من ثروات طبيعية كالفوسفاط والذهب، فإن صورتها في الوعي العام لا تعكس، وفق العديد من الفاعلين المحليين، حجم إسهامها التاريخي ولا وزنها الاقتصادي.
تُطرح في هذا السياق مفارقة صارخة بين الغنى الباطني للأرض من حيث الموارد المعدنية، وبين واقع اجتماعي واقتصادي يتسم بارتفاع معدلات البطالة وحدّة مظاهر الحرمان في صفوف الشباب. كما تبرز تساؤلات حول كيفية استمرار مظاهر الهشاشة الاجتماعية في أقاليم توصف بأنها خزّان للثروات الوطنية، مع ما يرافق ذلك من شعور بانعدام التوازن في توزيع عائدات التنمية.
تُعد خريبكة مثالاً بارزاً لهذه المفارقة؛ فهي معروفة عالمياً باعتبارها إحدى أهم حواضر الفوسفاط، غير أن الفاعلين المحليين يلفتون الانتباه إلى أن جزءاً من بنيتها التحتية لا يعكس هذه المكانة. ويتم تقديم وضع عدد من المؤسسات التعليمية والبنيات الأساسية بوصفه دليلاً على فجوة بين الاعتراف العالمي بقيمة الفوسفاط من جهة، ومستوى التأهيل الحضري والاجتماعي المحلي من جهة أخرى.
على المستوى الثقافي والتاريخي، تثار انتقادات حادة تجاه ما يُعتبر تهميشاً لرموز المقاومة والذاكرة التاريخية للجهة. وتشير مواقف متعددة إلى أن هذه المنطقة ساهمت في إنتاج عدد من المقاومين والشخصيات الوطنية التي كان لها دور في معركة الاستقلال وبناء الدولة الحديثة، غير أن هذا الرصيد لا يحظى، في نظر المنتقدين، بما يكفي من التوثيق والتثمين في الفضاء العمومي الوطني.
كما يُوجَّه جزء من النقد إلى السياسات الثقافية الرسمية، خاصة في ما يتعلق بطريقة توزيع الاهتمام بين الجهات. ويتم التعبير عن انطباع بأن بعض المدن الكبرى، مثل الرباط ومراكش، تحظى بأولوية واضحة في إبراز تراثها ومعالمها التاريخية، مقابل غياب مماثل لجهات أخرى لا تقل أهمية من حيث الإنجاز التاريخي أو الإسهام الوطني.
ويشمل هذا النقد أيضاً الدور المنوط بالإعلام الرسمي، الذي يتهمه فاعلون محليون بعدم مواكبة الذاكرة التاريخية للجهة بما يتناسب مع رصيدها النضالي والتراثي. ويُنظر إلى ضعف الحضور الإعلامي لقضايا وخبرات المنطقة باعتباره عاملاً إضافياً في تكريس الشعور بالعزلة والتهميش.
في ضوء هذه المعطيات، برزت مطالب متزايدة بإنشاء متحف تاريخي ذي بعد وطني وعالمي في خريبكة أو على مستوى الجهة ككل، يختص بتوثيق التاريخ المحلي، وإبراز مسار المقاومة، والتعريف بمراحل استغلال الثروات الطبيعية وتداعياتها السوسيو-اقتصادية. ويُقترح أن يشكل هذا المتحف فضاءً لعرض «الحقائق دون تجميل»، وفق تعبير عدد من الفاعلين، بما يشمل الجوانب المضيئة والصعوبات التاريخية التي عرفتها المنطقة.
يُنظر إلى فكرة المتحف أيضاً كوسيلة لإعادة الاعتبار للكرامة الجهوية وتعزيز الوعي بالانتماء، وخاصة في صفوف الأجيال الشابة، من خلال ربطها بتاريخ محلي موثَّق ومعترف به وطنياً. كما تُطرح هذه المبادرة كجزء من رؤية أوسع تهدف إلى جعل الذاكرة التاريخية رافعة للتنمية الثقافية والسياحية، وإدماج الجهة في المسارات الوطنية للتخطيط الثقافي والمعرفي.
ضمن هذا السياق، تتحول المطالبة بالاعتراف بالتاريخ المحلي إلى دعوة أوسع لمراجعة سياسات توزيع الاستثمار الثقافي والرمزي بين الجهات، وإعادة تقييم موقع خريبكة وبني ملال وخنيفرة ضمن الخريطة الوطنية للتراث والتاريخ. وتستند هذه الدعوة إلى قناعة بأن الذاكرة الجماعية ليست حكراً على العواصم والمدن الكبرى، بل هي نتاج تراكمي لمختلف الجهات التي ساهمت، كلٌّ من موقعه، في تشكيل التاريخ الوطني.
وتأخذ هذه النقاشات طابعاً تفاعلياً على المنصات الرقمية، حيث يتم توظيف الوسوم ذات الحمولة الرمزية، مثل "#كرامة_خريبكة" و"#تاريخنا_مش_للبيع" و"#صوت_الجهة"، للتعبير عن مطالب الاعتراف والإنصاف الرمزي. وتعكس هذه الوسوم توجهاً متنامياً نحو استخدام الفضاء الرقمي كأداة للترافع عن القضايا الجهوية، وربط مطالب العدالة المجالية بالعدالة التاريخية والثقافية.
في المحصلة، يعبّر هذا الحراك الرمزي والثقافي عن رغبة في صياغة علاقة جديدة بين المركز والجهات، تقوم على الاعتراف المتكافئ بمساهمات مختلف الأقاليم في كتابة التاريخ الوطني، وعلى إدماج الذاكرة المحلية في السياسات العمومية الثقافية، بما يسهم في تعزيز الكرامة المجالية وتحقيق تنمية أكثر توازناً وشمولاً.