يتناول المقال شارع مسجد الشيخ الصدّيق في منطقة المندرة بالإسكندرية باعتباره أحد العناصر العمرانية والتراثية ذات البعد التاريخي والرمزي لسكان المنطقة، مع تسليط الضوء على التدهور البيئي والعمراني الذي يشهده الشارع في السنوات الأخيرة، من تكدس مروري وتلوث ونفايات وتهالك للمباني ذات الطابع التراثي. كما يناقش المقال غياب مظاهر التطوير الحضاري الكافي، وتنامي مظاهر الاستغلال العشوائي للمكان، ويدعو إلى تبني رؤية شاملة للحفاظ على هوية الشارع التاريخية مع تحقيق تنمية حضرية منظمة تحفظ ذاكرة المكان وتستشرف مستقبلاً أفضل للمنطقة.
يُعدّ شارع مسجد الشيخ الصدّيق في منطقة المندرة بمدينة الإسكندرية أحد المحاور الحضرية التي تحمل دلالات تاريخية ومعنوية لسكان المنطقة. فقد ارتبط هذا الشارع على مدى عقود بمسجد الشيخ الصدّيق بوصفه معْلماً دينياً واجتماعياً، كما شكّل مجالاً حيوياً لحياة أجيال متعاقبة، ما أسهم في تحويله إلى ذاكرة مكانية متراكمة تعكس تحولات المدينة وملامحها الثقافية.
يمتاز الشارع بطابع عمراني يرتبط بالماضي القريب للمدينة، حيث تضم بعض أجزائه مباني ذات ملامح تراثية تمثل جزءاً من النسيج المعماري السكندري. وقد أدّى هذا الطابع إلى ترسيخ صورة الشارع في الوجدان المحلي باعتباره أكثر من مجرد محور مروري، بل فضاءً يحمل قيمة رمزية وهوية خاصة، ترتبط بالذكريات الاجتماعية والدينية والثقافية لسكان المندرة والمناطق المجاورة.
على الرغم من هذه المكانة، يشهد الشارع في السنوات الأخيرة حالة من التدهور العمراني والبيئي. تظهر في عدة مواضع تراكمات للنفايات ومخلفات الاستخدام اليومي، مما ينعكس سلباً على المشهد البصري والبيئي للمنطقة. كما تعاني بعض المباني ذات الطابع التراثي من مظاهر تهالك وإهمال، سواء نتيجة غياب الصيانة الدورية أو تأثير العوامل البيئية والزمنية، الأمر الذي يهدد القيمة التاريخية والمعمارية لهذه المنشآت.
بالتوازي مع ذلك، يشهد الشارع مستويات مرتفعة من الازدحام المروري، حيث تتحول الحركة اليومية للسيارات إلى مصدر متكرر للضجيج والتلوث، بما في ذلك الانبعاثات الضارة التي تؤثر على جودة الهواء في المنطقة. ويسهم غياب تنظيم مروري فعّال، في بعض الفترات، في زيادة الشعور بالفوضى البصرية والحركية على حد سواء، مما يفقد الشارع جزءاً من هدوئه التاريخي وطابعه المميز.
تطرح الأوضاع الراهنة للشارع إشكالية واضحة تتعلق بالتوازن بين الحفاظ على التراث العمراني والهوية التاريخية من جهة، وبين متطلبات الحياة الحضرية المتسارعة من جهة أخرى. كما يثير المشهد الراهن تساؤلات حول كفاية الجهود الرسمية والمجتمعية في حماية ملامح المكان ومنع طغيان المظاهر العشوائية، مثل الاستغلال غير المنظم للأرصفة والفراغات العامة وظهور أنشطة تجارية غير مدروسة قد تساهم في تشويه المشهد العمراني والرمزي للشارع.
تزايدت في الفضاء الرقمي، ولا سيما على منصات التواصل الاجتماعي، دعوات تطالب بالالتفات إلى وضع شارع مسجد الشيخ الصدّيق والعمل على إنقاذ ما تبقّى من قيمته العمرانية والتراثية. تستند هذه الدعوات إلى رؤية تعتبر أن هذا الشارع لا يمثل مجرد مبانٍ أو طريق عابر، بل هو جزء من هوية الإسكندرية الثقافية والاجتماعية، وأن أي إهمال مستمر قد يؤدي إلى فقدان معالم لا يمكن تعويضها مستقبلاً.
تؤكد هذه المطالب على ضرورة تبني خطط تطوير حضرية شاملة، تتضمن تحسين البنية التحتية، وتنظيم الحركة المرورية، ومعالجة مشكلات النفايات والتلوث، إلى جانب إطلاق برامج لترميم المباني ذات الطابع التراثي والحفاظ على الهوية البصرية للشارع. كما تشير إلى أهمية إشراك المجتمع المحلي في جهود الحفاظ على المكان، عبر حملات توعية ومبادرات مجتمعية يمكن أن تسهم في خلق إحساس عام بالمسؤولية تجاه الشارع ومحيطه.
في ضوء ما سبق، يظهر شارع مسجد الشيخ الصدّيق نموذجاً لحالة شديدة الحساسية في العديد من المدن التاريخية، حيث يتقاطع البعد التراثي مع ضغوط التحضر السريع والتوسع العمراني. ويبرز هذا التقاطع الحاجة الملحّة إلى سياسات متوازنة تجمع بين صون الذاكرة المكانية، وتحسين نوعية الحياة الحضرية، وتوجيه التنمية بما يضمن مستقبلاً لا ينفصل عن جذور المكان وتاريخه.
تمثل الدعوات المتكررة لإنقاذ شارع مسجد الشيخ الصدّيق من التدهور الراهن تعبيراً عن رغبة شريحة واسعة من المجتمع المحلي في استعادة الشارع لوضع يليق بمكانته التاريخية والدينية والرمزية. كما تعكس هذه الدعوات إدراكاً متنامياً لأهمية التراث الحضري كجزء من هوية المدينة، وليس مجرد عنصر جمالي ثانوي، بما يستدعي استجابات عملية ومدروسة من الجهات المعنية، تحفظ لهذا الشارع دوره في ذاكرة الإسكندرية ومستقبلها على حد سواء.