يتناول المقال الجدل الدائر في حي النفل بمدينة بريدة حول تمثيل التراث المحلي، بين من يرى في مهرجان الكليجا والعقيلات رموزاً راسخة لهوية القصيم، ومن ينتقد تكرارها وغياب التجديد الثقافي. يناقش المقال تساؤلات السكان حول ما إذا كانت المهرجانات تعكس فعلاً العادات الأصيلة أم تحولت إلى نشاط تجاري وإعلامي، ويبرز دعوات إلى طرح مبادرات ثقافية جديدة تعبر عن روح الحي وسكانه مع الحفاظ على الموروث التقليدي.
أصبح حي النفل في مدينة بريدة محوراً لنقاشات حادة حول مفهوم التراث والهوية الثقافية المحلية، بعد موجة واسعة من التفاعل عبر المنصات الرقمية تناولت علاقة الحي بالموروث القصيمي، ولا سيما ما يرتبط بمهرجان الكليجا و«العقيلات». وتحول هذا الحي الصغير إلى أيقونة لجدل ثقافي يعكس صراعاً بين المحافظة على الرموز التقليدية والسعي إلى تجديد الخطاب الثقافي.
يرتبط حي النفل، بحكم انتمائه لمدينة بريدة ومنطقة القصيم، برموز تراثية بارزة مثل مهرجان الكليجا، الذي يُنظر إليه في الخطاب العام على أنّه أحد أهم مظاهر الاعتزاز بالهوية القصيمية. ويُقدَّم هذا المهرجان بوصفه واجهة لتراث غذائي واجتماعي متجذر في الذاكرة المحلية، حيث يربط الكثيرون بينه وبين معاني الأصالة والانتماء.
في المقابل، برز تيار نقدي يرى أنّ التركيز المتكرر على مهرجان الكليجا ورمز «العقيلات» لم يعد كافياً لتمثيل التنوع الثقافي والاجتماعي المعاصر في بريدة وأحيائها، ومن ضمنها حي النفل. ويعبّر هذا الاتجاه عن حالة من التشبع والملل من استحضار القصة ذاتها عاماً بعد عام، من دون إضافة تجديد جوهري في مضمون الفعاليات أو في طريقة عرض التاريخ المحلي.
يعد «العقيلات» أحد أبرز الرموز التاريخية في القصيم، إذ يحيل المصطلح إلى جماعات التجار والرحالة من أهل المنطقة الذين اشتهروا برحلاتهم التجارية عبر شبه الجزيرة العربية وخارجها. ويرى مؤيدو إبراز «العقيلات» أنّ هذا الإرث يمثل تجربة اقتصادية واجتماعية وحضارية فريدة، ويستحق أن يبقى في صدارة المشهد بوصفه نموذجاً للكفاح والريادة والانفتاح على العالم.
في الجهة المقابلة، يذهب منتقدون إلى أنّ الاقتصار على استحضار «العقيلات» وتاريخهم، بوصفهم العنوان الأبرز للتراث المحلي، يسهم في تهميش قصص وتجارب اجتماعية وثقافية أخرى داخل بريدة وأحيائها. ويطالب هذا الاتجاه بتوسيع دائرة السرد التاريخي لتشمل نماذج جديدة من الإبداع المحلي، والحياة اليومية، والتحولات الحضرية والاجتماعية المعاصرة.
يمتد الجدل أيضاً إلى طبيعة المهرجانات التي تُنظَّم في المنطقة، وعلى رأسها مهرجان الكليجا، حيث يدور نقاش حول ما إذا كانت هذه المهرجانات تقدّم صورة حقيقية عن العادات والتقاليد، أم أنّها تحولت تدريجياً إلى نشاط تجاري وإعلامي يركّز على العائدات الاقتصادية والجذب السياحي أكثر من تركيزه على العمق التراثي. وتتمحور التساؤلات حول مدى صدقية هذه الفعاليات في تمثيل الحياة الاجتماعية في الأحياء، ومن بينها حي النفل.
يشير محتوى النقاشات المتداولة إلى مقارنة ضمنية بين حي النفل وبعض الأحياء الأخرى في بريدة، التي يُنظر إليها باعتبارها أكثر قدرة على تجديد حراكها الثقافي وطرح مبادرات متنوعة تعبر عن هويتها المعاصرة. وفي هذا السياق، يُنتقد استمرار الاكتفاء بمحوري الكليجا والعقيلات وكأنهما الوحيدان القادران على تمثيل ثقافة القصيم، من دون تطوير صيغ جديدة تعبّر عن أجيال الحاضر.
تعكس ردود الأفعال المتباينة حالة شد وجذب بين اتجاه محافظ يُصرّ على استمرار إبراز الرموز التراثية الكبيرة التي ترسخت في الوعي العام، واتجاه آخر يطالب بخطاب ثقافي «صادم» أو غير تقليدي، يعبّر عن حيوية الأحياء وسكانها، ويرسم صورة أكثر تنوعاً للهوية القصيمية. ويظهر من هذا الجدل أنّ حي النفل بات رمزاً لمطالبة شريحة من المجتمع المحلي بتجديد أدوات التعبير الثقافي.
تدل هذه النقاشات على تحوّل حي النفل من حي سكني عادي إلى موضوع نقاش مجتمعي أوسع يتجاوز حدوده الجغرافية، إذ أصبح صوت الحي في الفضاء الرقمي معبّراً عن أسئلة أعمق تتعلق بمعنى التراث، وحدود التكرار المقبول في استحضار الرموز التاريخية، ودور الأحياء في رسم ملامح صورة جديدة لبريدة ومنطقة القصيم.
يرصد هذا السجال في جوهره بحثاً عن توازن بين الحفاظ على الموروث التقليدي، ممثلاً في مهرجان الكليجا والعقيلات وغيرهما، وبين الحاجة إلى مبادرات ثقافية معاصرة تعبّر عن واقع الأحياء وطموحات السكان. ويُظهر النقاش العام أنّ الحراك الثقافي في حي النفل قد يشكل نموذجاً لجدل أوسع تشهده مدن أخرى تسعى إلى إعادة تعريف علاقتها بتراثها في ضوء التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة.